الشيخ محمد رشيد رضا
99
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وما يجب لتلك الذات العلية ، وما تتزكى به النفس البشرية ، وتصلح به الحياة الاجتماعية ، ويكشف ما اشتبه على أهل الكتاب من أصول دينهم ، وما اضطرب فيه نظار الفلسفة العليا من مسائل فلسفتهم ، ويرفع قواعد الايمان على أساس الحجج الكونية العقلية ، ويسلك هذا المسلك في بيان الشرائع العملية ، والحكمة الأدبية ، والسياسة الحربية والاجتماعية ، كل ذلك كان على طريق الحجة والبرهان ، فلا غرو أن يسمى هو نفسه برهانا . وهو برهان بسيرته العملية ، كما أنه برهان في دعوته العلمية الشرعية ، فقد نشأ يتيما لم يعن بتربيته عالم ولا حكيم ولا سياسي ، بل ترك كما كان ولدان المشركين يتركون وشأنهم ، وكان في سن التعليم وتكوّن الاخلاق والملكات يرعى الغنم نهارا وينام من أول الليل ، فلا يحضر سمّار قومه ( مواضع السمر في الليل ) ولا معاهد لهوهم ، واتجر قليلا في شبابه ، مع قومه من أبناء الجاهلية وأترابه ، فهو لم يصادف من التربية المنزلية والتأديب الاجتماعي في أول نشأته ، ما يؤهله للمنصب الذي تصدى له في كهولته ، وهو تربية الأمم تربية دينية اجتماعية سياسية حربية ، ولكنه قام بهذه التربية أكمل قيام ، وما زال يعجز عن مثل ما قام به من يستعدون له بالعلوم والاعمال ، فكان بهذا برهانا على عناية اللّه به ، وتأييده إياه بوحيه وتوفيقه ، وذلك قوله عز وجل وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً أي وأنزلنا إليكم أيها الناس بما أوحينا اليه كتابا من لدنا هو كالنور بين في نفسه ، مبين لكل ما أنزل لبيانه ، تنجلي لكم الحقائق ببلاغته وأساليب ، بيانه بحيث لا يشتبه فيها من تدبره وعقل معانيه ، بل تثبت في عقله ، وتؤثر في قلبه ، وتكون هي الحاكمة على نفسه ، والمصلحة له في عمله ، مثال ذلك توحيد اللّه في ألوهيته وربوبيته ، هو أثبت الحقائق ، وأعلى ما يصل اليه البشر من المعارف ، وأفضل ما تتزكى به النفوس ، وتترقى به العقول ، وقد بعث به جميع رسل اللّه إلى جميع الأمم ، كان كل منهم يدعوا أمته اليه ، وكان يستجيب الناس لهم بقدر استعدادهم لفهم هذه الحقيقة العليا ، ثم لا يلبثون أن يشوهوها بعدهم بالشرك وضروب الوثنية التي تطمس العقول ، وتدنس النفوس ، وتهبط بالفطرة البشرية من أوج كرامتها وعزتها التي جعلها اللّه أهلا لها ، إلى المهانة والذلة بالخضوع